جلال الدين السيوطي

58

معترك الاقران في اعجاز القرآن

وقد جرت عادة القرآن العظيم إذا ذكر أحكاما ذكر بعدها وعدا أو وعيدا ؛ لتكون باعثا على العمل بما سبق ، ثم يذكر آيات توحيد وتنزيه ؛ ليعلم عظم الآمر الناهى . وتأمّل سورة البقرة والنساء والمائدة تجده كذلك . وإن لم تكن معطوفة فلا بد من دعامة تؤذن باتصال الكلام ، وهي قرائن معنوية تؤذن بالربط « 1 » . [ أسباب الربط ] وله أسباب : أحدها : التنظير ؛ فإن إلحاق النّظير بالنّظير من شأن العقلاء ، كقوله « 2 » : « كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ » - عقب قوله « 3 » : « أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ » ؛ فإنه تعالى أمر رسوله أن يمضي لأمره في الغنائم على كره من أصحابه ، كما مضى لأمره في خروجه من بيته لطلب العير أو القتال وهم له كارهون . والقصد أن كراهتهم لما فعله من قسم الغنائم ككراهتهم للخروج . وقد تبين في الخروج الخير من النصر والظفر والغنيمة وعزّ الإسلام ، فكذا يكون فيما فعله في القسمة ، فليطيعوا ما أمروا به ويتركوا هوى أنفسهم . الثاني : المضادة ، كقوله في سورة البقرة « 4 » : « إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ . . . » الآية . فإن أول السورة كان حديثا عن القرآن ، وأن من شأنه الهداية للقوم الموصوفين بالإيمان . فلما أكمل وصف المؤمنين عقب بحديث

--> ( 1 ) في البرهان ( 1 - 46 ) : والأول مزج لفظي ، وهذا مزج معنوي ، تنزل الثانية من الأولى منزلة جزئها الثاني . ( 2 ) الأنفال : 4 ( 3 ) الأنفال : 5 ( 4 ) البقرة : 6